الاستثمار في مرحلة التعافي .. حوافز تنتظر قرارات جريئة من حكومة الامل
بقلم / سمير سيد عثمان
في ظل التحديات الاقتصادية المتفاقمة ،، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب ،، تجد الدولة نفسها أمام ضرورة ملحة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني واستعادة دورة الإنتاج .. ويتصدر خفض الرسوم والجبايات الحكومية على القطاعات الإنتاجية ،، إلى جانب إزالة التعقيدات الإدارية والبيروقراطية في الوزارات والمصالح الحكومية ،، قائمة الأولويات التي لا تحتمل التأجيل .. إن تحفيز رجال الأعمال والمستثمرين على الدخول بقوة في ميادين الإنتاج لا يتحقق إلا من خلال بيئة اقتصادية مرنة ،، تُخفف الأعباء وتُبسط الإجراءات ،، وتوفر الحوافز والتسهيلات .. فليست هذه الإصلاحات ترفًا إداريًا ،، بل ضرورة حيوية لتقليل تكلفة الإنتاج ،، ورفع كفاءة التشغيل ،، وتسريع عجلة التعافي الاقتصادي .. وقد أثبتت التجارب العالمية أن الاقتصادات لا تُبنى بالأمنيات ،، بل بإرادة سياسية تترجم إلى سياسات واقعية تدعم المنتجين ،، وتُعيد الثقة في بيئة الأعمال المحلية .. ومن هنا ،، فإن خفض الرسوم وتبسيط الإجراءات يمثلان المدخل الأهم نحو تحقيق اقتصاد منتج ،، جاذب للاستثمار ،، وقادر على الانتقال من طور الاستهلاك إلى منظومة إنتاج تُعيد للوطن عافيته .. تُشكّل الرسوم والجبايات الحكومية المرتفعة عبئًا ثقيلاً على القطاعات الإنتاجية ،، إذ تؤدي إلى ارتفاع تكلفة المنتجات المحلية ،، مما يقلل من قدرتها التنافسية في الأسواق الداخلية والخارجية .. ولهذا ،، فإن خفض هذه الرسوم يُعد خطوة استراتيجية لتحفيز الإنتاج الوطني ،، حيث يُشجع المستثمرين على ضخ رؤوس أموالهم في مشاريع جديدة أو توسيع الأنشطة القائمة ،، ويسهم في خفض أسعار المنتجات ،، مما يُعزز القوة الشرائية للمواطن ويُنشط الحركة الاقتصادية .. كما أن بيئة إنتاجية مخففة الأعباء تُعد عامل جذب مهم للاستثمار الأجنبي ،، خاصة في ظل مساعي البلاد لإعادة الإعمار بعد الحرب ،، حيث تسعى الدول المنافسة لتقديم حوافز وتسهيلات ،، ويجب ألا نتأخر عن هذا السباق .. لا يقل خفض الرسوم أهمية عن إزالة التعقيدات البيروقراطية التي تعيق انطلاق المشاريع وتعطّل استمراريتها .. فالإجراءات المطولة والروتين الإداري المعقّد في بعض الوزارات والمصالح الحكومية يُشكّل بيئة طاردة للاستثمار ،، ويدفع برؤوس الأموال إلى الهروب نحو دول تملك أنظمة أكثر مرونة وكفاءة .. كما أن هذا البطء في إنجاز المعاملات يؤدي إلى تأخير المشاريع الإنتاجية ،، ويبدد فرصاً اقتصادية مهمة في وقت نحن فيه في أمسّ الحاجة لكل استثمار منتج .. والأسوأ من ذلك أن هذا الواقع يفتح الباب أمام الفساد ،، حيث تصبح “الوساطة” وسيلة ضرورية لتجاوز الحواجز الإدارية ،، مما يضعف هيبة المؤسسات ويُقوّض مبدأ العدالة والشفافية .. تبسيط الإجراءات ،، وتوحيد النوافذ ،، واعتماد المعاملات الإلكترونية ليس ترفًا ،، بل ضرورة لبناء بيئة إنتاجية صحية وجاذبة .. كما أن تحريك عجلة الإنتاج ليس فقط مسؤولية أصحاب الأعمال ،، بل هي مسؤولية دولة ،، تبدأ من الإرادة السياسية الجادة ،، وتمر عبر إصلاح السياسات الاقتصادية ،، وتصل إلى توفير بيئة سياسية مستقرة وآمنة .. فليس من المبالغة القول إن الاستقرار السياسي هو الحاضنة الحقيقية للازدهار الاقتصادي ،، وأي اضطراب في المناخ العام ،، يُربك السوق ،، ويثني المستثمر عن ضخ أمواله في مشاريع طويلة الأجل ..ومن هنا ،، فإن على الدولة في مرحلة ما بعد الحرب أن تبادر بسنّ قوانين وتشريعات تضمن خفض الرسوم والجبايات الحكومية المرتبطة بالإنتاج ،، وتُغلق أبواب التعطيل والتعسف الإداري ،، مع تحسين بيئة الأعمال والعلاقات الخارجية لفتح أبواب التمويل والشراكات .. من بين الحلول الجوهرية التي يمكن أن تُحدث تحولًا حقيقيًا في مناخ الاستثمار هو إنشاء منصة إلكترونية موحدة تُعنى بجميع التراخيص والموافقات المطلوبة ،، بحيث تُقلل من التداخلات الإدارية وتُسرّع من دورة الإجراءات .. إلى جانب ذلك ،، فإن تفعيل نوافذ موحدة داخل كل وزارة ومؤسسة خدمية يُعد خطوة حيوية لتسهيل إنجاز المعاملات ومنع تشتت المستثمر بين المكاتب والإدارات .. هذا كله يجب أن يُعزز بإطار تشريعي واضح يُلزم الجهات الحكومية بالرد على الطلبات خلال فترات زمنية محددة ،، مما يعكس الجدية والانضباط المؤسسي ،، ويمنح المستثمر شعورًا بالثقة .. من جهة أخرى ،، فإن تحقيق استقرار سياسي داخلي وتحسين العلاقات الخارجية لا يقل أهمية عن تلك الإصلاحات الإدارية ،، فالمستثمر لا يغامر في بيئة تتسم بالغموض والتوترات .. بناء الثقة مع المجتمع الدولي ،، وفتح قنوات التعاون مع المؤسسات المالية العالمية ،، يفتح الباب أمام تدفقات التمويل والمنح ،، ويُعطي رسالة إيجابية بأن البلاد مؤهلة لأن تكون وجهة آمنة وجاذبة كما حدث في تجارب ناجحة مثل رواندا .. في سبيل بناء اقتصاد منتج ،، يُعد خفض الإنفاق الحكومي غير الضروري أولوية ملحة ،، خاصة ما لا يرتبط بالإنتاج أو تحسين الخدمات .. فترشيد الصرف داخل مؤسسات الدولة يعكس جدية الإصلاح ،، ويوجه الموارد نحو البنية التحتية ودعم القطاعات الحيوية ،، ما يعزز الثقة ويحفز الاستثمار .. في مرحلة التعافي الاقتصادي ،، يُعد الاستثمار في الصناعات التحويلية المرتكزة على المواد الخام المحلية خيارًا استراتيجيًا يحقق قيمة مضافة حقيقية .. فهو يعزز الصادرات ،، يقلل الاعتماد على الواردات ،، ويوفر فرص عمل .. أما الاعتماد على صناعات تستورد مدخلاتها من الخارج ،، فيزيد الضغط على النقد الأجنبي ويرفع تكلفة السلع على المواطن .. لذلك ،، يجب ربط الخارطة الاستثمارية بالصناعات الاستراتيجية ،، وتوفير حوافز حقيقية تشمل الأراضي والإعفاءات والتسهيلات التمويلية ،، لضمان بناء اقتصاد منتج ومستدام .. لدفع عجلة الاستثمار في مرحلة التعافي ،، لابد أن تتبنى الدولة نهجًا تشاركيًا مع المستثمرين يضمن الثقة وتوافق الرؤى .. ويُعد إشراك السفارات في الترويج للاستثمار ،، وتسهيل دخول المستثمرين ،، وتوفير تأمين فعال على أموالهم خطوات أساسية .. كما يجب إتاحة خيارات استثمارية مرنة ،، وتشجيع البنوك الأجنبية ،، وتقديم حوافز للكفاءات السودانية بالخارج .. وتوزيع الاستثمارات جغرافيا ،، خاصة نحو الريف ،، يعزز التنمية المتوازنة والمستدامة في البلاد .. إن تعافي الاقتصاد في هذه المرحلة لن يتحقق إلا بإنتاج فعّال ،، والمُنتج لن ينهض ما لم تُهيّأ له الأرضية المناسبة .. فلتكن هذه رسالة لكل القائمين على أمر الدولة ونحن في ظل حكومة الأمل ،، أن يكون خفض الرسوم ،، وتحفيز الإنتاج ،، هو المفتاح الحقيقي لعبور هذه المرحلة الحرجة بأقل الخسائر ،، وأكبر المكاسب .. وفي ختام هذا الطرح ،، يبقى على القائمين على أمر الدولة أن يدركوا أن كل يوم يُؤجل فيه الإصلاح ،، يُفقدنا فرصة حقيقية للنهوض ،، ويزيد من تعقيد الأزمة .. إن بناء اقتصاد منتج لا يحتمل التردد ،، بل يحتاج إلى قرارات شجاعة تُتخذ اليوم ،، لا غدًا .. ومع تضافر الجهود بين الحكومة والقطاع الخاص ،، يمكن تحويل تحديات ما بعد الحرب إلى فرص للانطلاق .. فالزمن لا ينتظر ،، والمستقبل يُصنع الآن ،، والرهان الحقيقي هو على اقتصاد يرتكز على الإنتاج ،، ويقود إلى استقرار شامل ،، وتنمية شاملة تعيد للوطن عافيته وللمواطن كرامته ..