تعزيز الإنتاج المحلي .. ركيزة للتنمية الاقتصادية والاستقرار المالي*
بقلم / سمير سيد عثمان
في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة ،، تزداد الحاجة إلى تبني سياسات تعزز من قدرات الإنتاج المحلي بوصفه ركيزة أساسية لبناء اقتصاد قوي ومستدام .. فالإنتاج المحلي لا يقتصر على تلبية حاجات السوق الداخلي فحسب ،، بل يشكل حجر الزاوية في خلق فرص العمل ،، وتحريك عجلة الاقتصاد ،، وزيادة دخل الأفراد ،، ما ينعكس بدوره على استقرار المجتمع ورفع مستوى المعيشة .. كما أن الاعتماد على التصنيع المحلي يخفف الضغط على النقد الأجنبي من خلال تقليل فاتورة الاستيراد ،، ويدعم قيمة العملة الوطنية عبر دورانه داخل الاقتصاد الداخلي .. ومع توظيف الموارد المحلية المتاحة بكفاءة ،، وفتح المجال أمام الابتكار والاستثمار ،، تصبح الدولة أكثر قدرة على الصمود في وجه الأزمات العالمية وبناء نموذج تنموي متماسك يرتكز على الإنتاج الحقيقي لا على الحلول المؤقتة .. يُعد التصنيع المحلي من أبرز أدوات تحفيز النشاط الاقتصادي وتحقيق الاستقرار المالي .. فبمجرد إنشاء المصانع ،، تتحرك عجلة الإنتاج داخل المجتمع عبر توفير فرص عمل مباشرة في خطوط الإنتاج ،، وأخرى غير مباشرة في القطاعات المرتبطة مثل النقل والخدمات وسلاسل الإمداد ،، ما يسهم في خفض معدلات البطالة وزيادة دخول الأفراد ،، وبالتالي تنشيط الطلب الداخلي وتحفيز النمو .. ضمن جهود تعزيز الإنتاج المحلي ،، يبرز عنصر استغلال المواد الخام بصورة فعّالة كأحد المفاتيح المهمة لرفع كفاءة الاقتصاد .. فالفاقد الكبير في المنتجات الزراعية ،، والذي تشير بعض الدراسات إلى أنه يصل إلى نحو 25% من إجمالي الإنتاج ،، يُعد أحد التحديات المزمنة في القطاع .. ويرجع ذلك في الغالب إلى ضعف البنية التحتية للتخزين ،، وسوء الحصاد ،، وغياب سلاسل التبريد والنقل الحديثة .. معالجة هذا الفاقد من خلال الاستثمار في تقنيات الحصاد والتخزين والتعبئة يُمكن أن يضاعف العائد من نفس الجهد الزراعي ،، دون الحاجة لزيادة المساحات المزروعة .. إلى جانب ذلك ،، تمثل تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة رافعة حيوية لتحويل المواد الخام إلى منتجات ذات قيمة مضافة ،، خاصة في قطاعات مثل الصناعات الجلدية ،، وتصنيع الفواكه ،، والمنتجات الغذائية .. ومن خلال سياسات مشجعة ،، وإجراءات مبسطة تضمن استقرار هذه المشاريع ،، يمكن توسيع قاعدة الإنتاج ،، وخلق فرص عمل ،، وتوليد دخل وضرائب ،، فضلاً عن الإسهام في إحلال الواردات وزيادة الاكتفاء الذاتي .. أما على مستوى العملة الوطنية ،، فإن استغلال المواد الخام المحلية وتحويلها إلى منتجات مصنعة يعزز من القيمة المضافة ويُقلل من الاعتماد على تصدير السلع الأولية بعوائد منخفضة .. كما أن التوسع في إنتاج السلع الوسيطة محلياً يخفف الضغط على العملات الأجنبية ،، ويقلص فاتورة الاستيراد ،، ويمنح الجنيه السوداني مساحة من الاستقرار بفضل خفض الطلب على الدولار في العمليات التجارية .. هذا النوع من الإنتاج المحلي يسهم في دوران رأس المال داخل الاقتصاد الوطني ،، ويجعل من الجنيه أداة فاعلة في التبادلات المحلية والإقليمية .. جوهريًا في تحفيز الإنتاج المحلي ،، خاصة إذا ارتكزت على خفض الأعباء الضريبية وتبسيط إجراءات التحصيل .. مثل هذه السياسات تشجع المنتجين والممولين على العمل في النطاق الرسمي وتُسهم في الحد من التهريب الذي يُفقد الدولة موارد هائلة .. كما أن تبني إعفاءات ضريبية انتقائية موجهة لصغار المنتجين يساعد على دمجهم في الدورة الاقتصادية ،، ويوفر بيئة أكثر عدالة وتحفيزاً للنمو المتوازن .. في سبيل تعزيز الإنتاج المحلي وتحقيق تحول صناعي فعّال ،، تبرز أهمية إقامة شراكات ذكية بين الدولة والقطاع الخاص ،، لا سيما مع الشركات العالمية ذات الخبرة والتقنية المتقدمة .. من خلال تبني نماذج تمويل مرنة مثل نظام التقسيط المريح بضمانات سيادية ،، يمكن توفير المعدات والآليات الصناعية الحديثة للمنتجين المحليين دون إثقالهم بأعباء مالية مباشرة ،، ما يفتح أمامهم آفاقاً أوسع للارتقاء بجودة الإنتاج وزيادة التنافسية في الأسواق .. وبالتوازي مع ذلك ،، فإن الاستثمار في تطوير رأس المال البشري يمثل حجر الزاوية لأي عملية إنتاجية ناجحة .. فالتصنيع لا يزدهر إلا بكوادر مدربة ومؤهلة تملك المهارات الفنية والتقنية اللازمة .. من هنا يصبح من الضروري توسيع مظلة التدريب المهني وتوجيه البحوث العلمية نحو ابتكارات تخدم الاقتصاد الحقيقي .. كما أن دعم المبتكرين والمخترعين ،، وتوفير بيئة تحفز على الإبداع من خلال المحاسبة العادلة والتحفيز المجزي ،، يرسّخ ثقافة التميز ويضمن استدامة التطور الصناعي على المدى الطويل .. يبقى الالتزام بمعايير الجودة والحوكمة الرشيدة هو الضامن الحقيقي لاستدامة أي نهضة إنتاجية .. فالمؤسسات الصناعية والإدارية التي تعمل بشفافية وكفاءة ،، تجذب ثقة المستثمرين وتكسب ولاء المستهلكين محلياً وخارجيا .. كما أن إدماج مبادئ الحوكمة في عمليات الإنتاج والتسويق يرفع من تنافسية المنتج الوطني ويجعله قادراً على اختراق الأسواق العالمية بثقة وثبات .. إن بناء اقتصاد قوي لا يتحقق عبر القرارات والإجراءات الظرفية ،، بل عبر ترسيخ ثقافة الإنتاج وتحويل الموارد المحلية إلى قيمة مضافة حقيقية .. فالجنيه السوداني لا يحتاج إلى قرارات بقدر ما يحتاج إلى مصانع ،، ومصانع لا تنتج فقط السلع ،، بل تنتج فرصاً ،، وتؤسس لمستقبل اقتصادي أكثر صلابة .. وحين يتكامل التصنيع مع السياسات الرشيدة ،، وجودة الأداء ،، والشراكات الذكية ،، يصبح الطريق ممهداً أمام السودان للنهوض باقتصاد يعزز قيمة عملته ،، ويدفع باتجاه تنمية شاملة ومستقرة ..